الماضي مقابل المستقبل: لماذا تختلف نظرة مستثمري الملكية الخاصة ورأس المال الجريء؟

غالباً ما يُصنّف الاستثمار في الملكية الخاصة ورأس المال الجريء ضمن الفئة الاستثمارية نفسها. فكلاهما يندرج تحت مظلة «رأس المال الخاص» في خطط توزيع الأصول الاستثمارية، ويعتمد على هيكل الشركاء العامين والشركاء المحدودين، وحصص الأرباح، والصناديق الاستثمارية التي تمتد آجالها إلى عشر سنوات.

وفي منطقة الخليج تحديداً، تتعامل العديد من المكاتب العائلية والمؤسسات الاستثمارية مع رأس المال الجريء باعتباره نسخة أصغر حجماً وأكثر مخاطرة من استثمارات الملكية الخاصة التي اعتادت عليها.

وأعتقد أن هذا التصور يُعد من أبرز المفاهيم الخاطئة التي أواجهها عند الحديث مع المستثمرين في المنطقة. فالاستثمار في الملكية الخاصة ورأس المال الجريء ليسا النشاط نفسه بأحجام مختلفة، بل ينطلق كل منهما من منظور استثماري مختلف تماماً عن الآخر.

الملكية الخاصة تنظر إلى الماضي

يبدأ مستثمر الملكية الخاصة بالنظر إلى الأداء التاريخي للشركة، مستنداً إلى بيانات مالية مدققة تمتد من ثلاث إلى خمس سنوات، ومستوى مستقر من الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك (EBITDA)، وقاعدة عملاء قائمة منذ فترة كافية لقياس أدائها.

والسؤال الأساسي الذي يسعى للإجابة عنه هو: ما قيمة هذه الشركة اليوم، وما الذي يمكننا فعله بصورة واقعية لزيادة قيمتها؟

وتكون الافتراضات متحفظة عن قصد؛ إذ قد تتراوح توقعات النمو بين معدلات مرتفعة أحادية الرقم ومعدلات منخفضة ثنائية الرقم إذا كانت المؤشرات قوية، إلى جانب تحسين هوامش الربح من خلال رفع الكفاءة التشغيلية، واستخدام قدر محدود من الرافعة المالية، مع السعي إلى شراء الشركة عند مضاعف تقييم معين وبيعها لاحقاً عند مضاعف أعلى قليلاً.

وفي هذا النهج، يستند كل رقم في النموذج المالي إلى بيانات ونتائج تحققت بالفعل.

وهذا ليس انتقاداً، بل هو جوهر الانضباط الذي يقوم عليه هذا النوع من الاستثمار. فالملكية الخاصة تنجح لأنها تقيّم الشركة بناءً على واقعها الحالي، ويتمحور هذا النهج حول الحد من مخاطر الخسارة. وقد ينسحب مستثمر متمرس في الملكية الخاصة من صفقة بسبب اختلاف محدود في مضاعف الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك.

رأس المال الجريء ينظر إلى المستقبل

أما مستثمر رأس المال الجريء، فغالباً ما لا يجد سجلاً تاريخياً طويلاً يمكنه الاستناد إليه. ففي مرحلة التمويل التأسيسي، قد لا تتجاوز البيانات المتاحة اثني عشر شهراً من الإيرادات، وقد لا تكون هناك إيرادات على الإطلاق.

ولو كنت أعتمد في كل قرار استثماري على الأرقام التاريخية وحدها، لما اتخذت قراراً استثمارياً واحداً، ولفاتتني أفضل الشركات أداءً في محفظتنا الاستثمارية.

لذلك، يختلف السؤال هنا تماماً. فبدلاً من التساؤل: «ما قيمة هذه الشركة اليوم؟»، يصبح السؤال: «إلى ماذا يمكن أن تتحول هذه الشركة إذا نجحت؟».

نحن نقيّم الشركات بناءً على ما يمكن أن تصبح عليه مستقبلاً، والحقيقة أن معظم الشركات في مراحلها المبكرة لن تحقق النجاح المنشود. وهذا ليس خللاً في النموذج الاستثماري، بل جزء أساسي من طبيعته؛ إذ يمكن لعدد محدود من الاستثمارات الناجحة أن يحقق عوائد تكفي لاسترداد رأس مال الصندوق بالكامل، بينما تمثل بقية الاستثمارات تكلفة البحث عن تلك الفرص الاستثنائية.

لو خضعت شركة كريم (Careem) في مراحلها الأولى لمعايير التقييم التي يعتمدها مستثمرو الملكية الخاصة، لما اجتازت أياً منها. فلم تكن تحقق أرباحاً، ولم يكن لديها سجل أداء تاريخي، كما أن السوق المستهدفة لم تكن قد تشكلت بعد بالصورة التي تطورت إليها لاحقاً.

لم يكن المؤسسون يقدمون سجلاً من الإنجازات السابقة، بل كانوا يطرحون رؤية لمستقبل محتمل. أما المستثمرون الذين دعموهم مبكراً، فكانوا أولئك المستعدين للاستثمار في تلك الرؤية.

مهام مختلفة تتطلب مهارات مختلفة

وبما أن كل نهج ينظر إلى الاستثمار من منظور مختلف، فإن المهارات المطلوبة تختلف أيضاً بصورة جوهرية.

يتطلب الاستثمار في الملكية الخاصة خبرة في الهندسة المالية، وانضباطاً تشغيلياً، وقدرة على إجراء الفحص النافي للجهالة للأعمال القائمة.

فأفضل مستثمري الملكية الخاصة الذين أعرفهم يستطيعون تحليل أعمال الشركة بنداً بنداً، وتحديد مواطن التكاليف بدقة. وتكمن ميزتهم التنافسية في قدرتهم على التحليل الدقيق.

أما رأس المال الجريء، فيتطلب مهارات يصعب التعبير عنها بالأرقام والجداول المالية؛ مثل القدرة على تقييم مؤسس شركة خلال اجتماع لا يتجاوز ساعة واحدة، والإيمان بإمكانات سوق معينة قبل أن تؤكد البيانات وجودها، والحفاظ على القناعة الاستثمارية رغم عدم اكتمال المعلومات بطبيعتها.

ويتطلب كذلك بناء محفظة استثمارية تقوم على تقبّل حقيقة أن معظم الاستثمارات قد لا تحقق النتائج المرجوة.

وتكمن ميزتنا التنافسية في القدرة على التعرف على الأنماط والمؤشرات التي قد تدل على فرص النجاح، والاستعداد لاتخاذ قرارات استثمارية بناءً على تلك القناعة.

ببساطة، يسأل مستثمر الملكية الخاصة: «ما الذي قد يسير على نحو خاطئ؟»، بينما يسأل مستثمر رأس المال الجريء: «ما الذي قد يسير على نحو صحيح؟».

وكلاهما يطرح السؤال المناسب لطبيعة فئة الأصول التي يستثمر فيها.

لكن لكل نهج حدوده

تظهر حدود كل نهج عندما نحاول تطبيق معاييره على فئة الأصول الأخرى.

فإذا طبّقت معايير الملكية الخاصة على شركة في مرحلة التمويل التأسيسي، فستنتهي غالباً إلى استبعاد جميع الفرص الاستثمارية تقريباً.

فلا توجد أرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك، ولا بيانات مالية مدققة لسنوات سابقة، ولا تقديرات موثوقة لحجم السوق الإجمالي القابل للاستهداف (TAM) يمكن التحقق منها بدقة.

ومن هذا المنظور، تبدو معظم الشركات الناشئة الواعدة في المنطقة غير قابلة للاستثمار، وهو ما يفسر حصول العديد منها على تمويل من مستثمرين يتبنون نهجاً مختلفاً.

وفي المقابل، إذا طبّقت منطق رأس المال الجريء على شركة ناضجة، فقد ينتهي بك الأمر إلى دفع تقييم مبالغ فيه مقابل قصة نمو جذابة.

فالشركة التي تمتلك سجلاً مالياً يمتد لعشر سنوات لا تحتاج إلى الاعتماد على التصورات المستقبلية وحدها لتحديد قيمتها. والمبالغة في ذلك قد تؤدي إلى تبعات مالية سلبية لاستراتيجية «النمو بأي ثمن»، تنعكس في نهاية المطاف على ميزانيتها العمومية.

وفي السنوات الأخيرة، تبنّى قطاع رأس المال الجريء بعض مبادئ الانضباط التي تميز الاستثمار في الملكية الخاصة، ولأسباب وجيهة.

فقد أثبتت السنوات الماضية للقطاع بأكمله، بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أهمية اقتصاديات الوحدة (Unit Economics) في مختلف مراحل نمو الشركات.

فالنظر إلى المستقبل لا يعني تجاهل الأرقام والبيانات المتاحة في الحاضر.

لماذا يُعد هذا الاختلاف مهماً؟

بالنسبة لمؤسسي الشركات الناشئة، يعني ذلك ضرورة فهم طبيعة المستثمر الذي يجلس أمامهم.

فالمكتب العائلي الذي تتركز خبرته في استثمارات الملكية الخاصة أو العقارات قد ينظر إلى العرض الاستثماري لشركة ناشئة من خلال معايير الملكية الخاصة.

وهذا لا يعني بالضرورة أنه المستثمر غير المناسب، لكنه يعني أن على المؤسس تقديم رؤيته بأسلوب يتناسب مع طريقة تفكير ذلك المستثمر، أو إدراك مبكراً أنه قد لا يكون مستعداً للاستثمار في فرص تعتمد قيمتها على إمكانات مستقبلية لم تتحقق بعد.

أما بالنسبة للشركاء المحدودين (LPs)، فيعني ذلك ضرورة تقييم صناديق رأس المال الجريء وفقاً لمعايير تتناسب مع طبيعة هذه الفئة الاستثمارية.

فصندوق رأس المال الجريء الذي مضى على تأسيسه ثلاث أو أربع سنوات سيبدو، في معظم الحالات، أقل أداءً على الورق مقارنة بصندوق للملكية الخاصة في المرحلة الزمنية نفسها.

وهذا انعكاس طبيعي لما يُعرف بمنحنى العائد الاستثماري (J-Curve)، وليس بالضرورة مؤشراً على وجود مشكلة.

فعوائد رأس المال الجريء غالباً ما تتحقق في مراحل متأخرة من عمر الصندوق، وتتركز في عدد محدود من الاستثمارات.

الملكية الخاصة تستثمر في تاريخ الشركة، ورأس المال الجريء يستثمر في مستقبلها.

والمنطقة بحاجة إلى كليهما، وإلى مستثمرين يدركون طبيعة النهج الاستثماري الذي يتبعونه.