في المراحل الأولى من بناء الشركة الناشئة، من السهل الانجذاب إلى كل فرصة تبدو واعدة. فقد تكتشف فجوات جديدة في السوق، ويشجعك المستثمرون على استكشاف أفكار قريبة من نشاطك، بينما يواصل العملاء طلب مزايا جديدة. وسرعان ما تجد نفسك مشتتًا بين العديد من المسارات في الوقت نفسه.
إليك الحقيقة الصعبة: أسرع طريق لفشل أي شركة ناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أو في أي مكان آخر، هو محاولة القيام بالكثير في وقت مبكر جدًا.
أنجح المؤسسين الذين رأيتهم في هذه المنطقة هم أولئك الذين ركزوا على حل مشكلة واحدة بإتقان، وقدّموا لها أفضل حل ممكن. فقد قاوموا إغراء التوسع قبل الأوان، ووجّهوا مواردهم المحدودة من وقت ومال وكفاءات نحو بناء منتج يصعب منافسته. وفي بيئة يكون فيها رأس المال محدودًا والمنافسة شديدة، يصبح التركيز هو أعظم نقاط قوتك. اصنع علاجًا لا مكملًا غذائيًا؛ أي منتجًا لا يستطيع عملاؤك الاستغناء عنه إذا اختفى غدًا.
التنفيذ يتفوق دائمًا على الأفكار. فالمنتج الذي يحاول أن يكون «كل شيء في منتج واحد» دون إتقان لن يثير إعجاب المستثمرين أو العملاء. أما الحل الذي يركز بعمق على مشكلة حقيقية ويعالجها بفعالية، فهو ما يبني الثقة، ويحقق الزخم، ويمنحك لاحقًا الحق في التوسع.
خذ شركة «كالو» في البحرين مثالًا. لم تبدأ كتطبيق شامل لنمط الحياة الصحي، بل ركزت على هدف واحد: جعل اشتراكات الوجبات الصحية المخصصة سهلة وموثوقة. هذا الوضوح في الرؤية مكّنها من بناء قاعدة عملاء مخلصة، ثم التوسع بعد أن أثبتت نجاح نموذجها الأساسي. وانظر أيضًا إلى «ثندر» في مصر؛ فلم تحاول منذ اليوم الأول أن تصبح منصة متكاملة للخدمات المالية، بل ركزت على تسهيل الوصول إلى سوق الأسهم للجميع. ومن خلال تحسين تجربة التسجيل والتثقيف للمستثمرين الجدد، أسست قاعدة قوية لكل ما جاء بعد ذلك.
ومن أفضل الطرق لتعزيز هذا التركيز التعاون مبكرًا مع العملاء الرئيسيين باعتبارهم شركاء في تصميم المنتج. فوجود عملاء محوريين مستعدين للمشاركة في تطوير المنتج واختباره تحت ظروف الاستخدام الفعلية يضمن أنك تعالج مشكلات حقيقية، لا افتراضات نظرية. وكثير من أقوى شركات البرمجيات المؤسسية (SaaS) وشركات التقنية المالية في المنطقة تنسب نجاحها إلى العمل جنبًا إلى جنب مع عملائها الأوائل، الذين ساهموا في توجيه تطوير المنتج ومنحوه المصداقية عند التوسع.
وعلى النقيض من ذلك، هناك شركات ناشئة تشتتت مبكرًا؛ مثل شركات التجارة الإلكترونية التي حاولت أن تصبح شركات لوجستية، أو منصات الأسواق الإلكترونية التي اندفعت إلى تقديم خدمات مالية قبل إثبات نجاح منصتها الأساسية. وقد انتهى الأمر بالكثير منها إلى فقدان التركيز، سواء في المنتج أو في التنفيذ. وكل مؤسس تقريبًا تحدثت معه وسلك هذا الطريق اعترف لاحقًا بأن أكبر خطأ ارتكبه لم يكن نقص الطموح، بل نقص التركيز.
لذلك، اسأل نفسك: ما الذي يمكنك التوقف عن القيام به اليوم لأنه لا يخدم رسالتك الأساسية؟ فالوضوح، وليس التعقيد، هو ما يفتح الطريق نحو النمو الحقيقي.