يشهد قطاع الأغذية في الشرق الأوسط ثورة مدفوعة بالتكنولوجيا، حيث تعيد الابتكارات في الذكاء الاصطناعي، والاستدامة، وتحسين سلاسل الإمداد تشكيل طرق إنتاج الغذاء وتوزيعه واستهلاكه.

يشهد قطاع الأغذية في الشرق الأوسط تحولًا متسارعًا مدفوعًا بالنمو السكاني، وارتفاع مستويات الدخل، وتزايد الطلب على المنتجات الغذائية المحلية. ومن المتوقع أن ينمو سوق خدمات الأغذية في المنطقة بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 11.14% خلال العقد المقبل، ليصل إلى 158.5 مليار دولار بحلول عام 2034. كما يُتوقع أن ينمو سوق الأغذية بشكل عام بنسبة 4.39% خلال الفترة من 2024 إلى 2028، مع توقع وصول الإيرادات إلى 135.5 مليار دولار خلال هذا العام.
ويعود هذا النمو إلى عدة عوامل، من بينها زيادة القوة الشرائية لدى فئة الشباب من المهنيين الذين يتبنون أنماط حياة حضرية سريعة، وظهور وجهات ومراكز متخصصة في فنون الطهي في مختلف أنحاء المنطقة، وارتفاع وعي المستهلكين بالتغذية والأكل الصحي، إضافة إلى التدفق القياسي للسياح الذي أوجد شرائح جديدة من العملاء. كما تستثمر الحكومات بشكل متزايد في تعزيز الإنتاج الغذائي المحلي بهدف تحقيق الأمن الغذائي وبناء منظومة غذائية إقليمية أكثر مرونة واستدامة.
ورغم هذا التطور السريع، لا يزال الكثيرون يختزلون مفهوم تكنولوجيا الأغذية في تطبيقات توصيل الطعام فقط. إلا أن الواقع مختلف تمامًا، إذ يشمل هذا القطاع مجموعة واسعة من الابتكارات التي تعيد تشكيل صناعة الأغذية، بدءًا من تقنيات الزراعة الحديثة والبروتينات البديلة، وصولًا إلى تحسين سلاسل الإمداد وتقليل هدر الغذاء باستخدام الذكاء الاصطناعي. ومع تصاعد التحديات العالمية المتعلقة بالأمن الغذائي، والاستدامة، وإدارة الهدر، أصبحت تكنولوجيا الأغذية عنصرًا أساسيًا في تقديم حلول عملية تتجاوز بكثير مفهوم طلب الطعام عبر الإنترنت. ومع استمرار نضج هذا القطاع، يصبح فهم تأثيره الأوسع أكثر أهمية من أي وقت مضى.
ما المقصود بتكنولوجيا الأغذية؟
يتميّز قطاع تكنولوجيا الأغذية في عام 2025 بتركيزه على تحقيق أثر حقيقي من خلال الابتكار، والاستدامة، والتحول الرقمي. ولم يعد هذا القطاع يقتصر على خدمات توصيل الطعام، بل توسّع ليشمل التخصيص المدعوم بالذكاء الاصطناعي، والتقنيات الزراعية، والبدائل النباتية، وتحسين سلاسل الإمداد. وتُجسّد العديد من الشركات الناشئة في الشرق الأوسط هذه التطورات.
مواجهة هدر الغذاء وتعزيز الاستدامة:
يُعد Barakah، وهو سوق إلكتروني سعودي، من أبرز الأمثلة على ذلك، حيث يعمل على الحد من هدر الغذاء التجاري. ومن خلال ربط متاجر الأغذية بالمستهلكين، تتيح المنصة بيع المنتجات الفائضة والوجبات المخفضة، مما يسهم في تقليل الهدر وتعزيز القدرة على تحمل التكاليف. ومع تزايد أهمية مبادئ الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية (ESG)، أصبحت شركات مثل Barakah نموذجًا لكيفية توظيف التكنولوجيا والاستدامة لإحداث أثر إيجابي.

صورة لعبوات كعك «لولا» المستخدمة في التوصيل – مصدر الصورة: Lola
توسّع منظومة تكنولوجيا الأغذية:
إلى جانب الاستدامة، يواصل قطاع تكنولوجيا الأغذية في المنطقة توسعه في العديد من الاتجاهات. وتُعد شركات المحفظة الاستثمارية مثل Lola من الشركات الرائدة في تقديم حلول مبتكرة تركز على تجربة المستهلك، من خلال توفير تجربة سلسة لطلب الكعك عبر التطبيق والموقع الإلكتروني. ويقول عثمان جناحي، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Lola:
«يتطور قطاع تكنولوجيا الأغذية ليتجاوز خدمات الطلب عبر الإنترنت، ليصبح مساحة يلتقي فيها الابتكار مع التخصيص. ورؤيتنا هي أن نقود هذا التحول، بحيث تصبح تكنولوجيا الأغذية ليست أكثر سهولة فحسب، بل أكثر قيمة واستدامة لكل عميل.»
كما تُحدث شركات مثل Suplyd تحولًا في طريقة حصول المطاعم على مكوناتها، من خلال معالجة تحديات سلاسل الإمداد والمشتريات بين الشركات (B2B). وتعمل الشركة، التي تتخذ من مصر مقرًا لها، على تنظيم أحد أكثر القطاعات تشتتًا، عبر مساعدة المطاعم على تحسين إدارة سلسلة التوريد والمخزون، وربطها بالموردين ومشغلي القطاع.
الذكاء الاصطناعي والأتمتة… المرحلة التالية:
تسهم التطورات في الذكاء الاصطناعي والأتمتة في دفع قطاع تكنولوجيا الأغذية نحو مرحلة جديدة من التطور. ويؤكد إنفر، الشريك المؤسس والمسؤول التنفيذي في Growdash، هذا التحول بقوله:
«يُحدث الذكاء الاصطناعي تحولًا في قطاع تكنولوجيا الأغذية، من خلال تمكين المطاعم من الاعتماد على البيانات بصورة غير مسبوقة.»
ومن المطابخ السحابية التي تستخدم أنظمة إدارة الطلبات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، إلى الروبوتات الغذائية التي تعزز الكفاءة، تُعيد الأتمتة تشكيل عمليات إنتاج الأغذية وتوصيلها. ويشير عثمان جناحي إلى أثر هذه التقنيات موضحًا أنه في Lola:
«تُحوّل أدوات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية تصميم الكعك إلى تجربة تفاعلية تراعي تقليل الهدر.»
لقطة شاشة من منصة Growdash – مصدر الصورة: الموقع الإلكتروني لشركة Growdash
إلى جانب أتمتة المطابخ، يُحدث الذكاء الاصطناعي أيضًا ثورة في آليات اتخاذ القرار داخل القطاع. ويوضح إنفر نهج شركة Growdash قائلًا إن الشركة «تستخدم الذكاء الاصطناعي لتزويد مشغلي المطاعم برؤى عملية تساعدهم على تحسين التسعير، والعروض الترويجية، والأداء عبر منصات التوصيل، دون الاعتماد على التخمين. وفي قطاع يتميز بهوامش ربح محدودة ومنافسة شديدة، يضمن الذكاء الاصطناعي أن تستند كل القرارات إلى البيانات، مما يعزز الكفاءة والربحية في الوقت نفسه.»
الصحة والتغذية المخصصة:
كما ساهم تغير سلوك المستهلكين بعد الجائحة في صعود Calo، وهي خدمة لتوصيل الوجبات تقدم خططًا غذائية مخصصة من خلال تتبع السعرات الحرارية والاحتياجات الغذائية لكل مستخدم. وتعمل الشركة في البحرين، والسعودية، والكويت، وقطر، والإمارات، والمملكة المتحدة، مقدمةً نهجًا تقنيًا يربط بين سهولة الاستخدام والخيارات الغذائية الصحية.

حليب الإبل من Desert Farms – مصدر الصورة: الموقع الإلكتروني لشركة Desert Farms
الابتكار المرتكز على الاستدامة:
لا تزال الاستدامة في صميم قطاع تكنولوجيا الأغذية، حيث تقود شركات مثل Desert Farms هذا التوجه من خلال منتجات حليب الإبل المطابقة لنظام «باليو»، والخالية من الغلوتين، وغير المعدلة وراثيًا. ومع تزايد توجه المستهلكين نحو الخيارات الصديقة للبيئة، تُبرز شركات مثل Desert Farms كيف يمكن إعادة تقديم المنتجات التقليدية بما يلائم احتياجات المستهلك العصري.
ومع استمرار تطور قطاع تكنولوجيا الأغذية، فإن دوره في رسم مستقبل الغذاء في الشرق الأوسط يتجاوز مجرد توفير الراحة، ليشمل بناء منظومة غذائية أكثر استدامة وكفاءة وابتكارًا، تلبي احتياجات السكان المتزايدة والمتغيرة باستمرار.
ديناميكيات السوق في عام 2025: الابتكار أم التقليد؟
يشهد قطاع تكنولوجيا الأغذية في الشرق الأوسط تطورًا متسارعًا، في ظل توازن بين الابتكار وتقليد النماذج الناجحة. ففي الوقت الذي وصلت فيه بعض القطاعات إلى مرحلة النضج مع تعزيز الشركات الكبرى لمواقعها، تبرز فرص جديدة أمام الشركات الناشئة في الأسواق المتخصصة التي لم تُستغل بعد. أما قطاع توصيل الطعام، الذي كان يومًا من أكثر القطاعات جذبًا للشركات الناشئة، فقد شهد انتشار العديد من النماذج المتشابهة. ومع ذلك، لم يعد النجاح يعتمد على أن تكون الأول، بل على أن تقدم أفضل تجربة.

مصدر الصورة: Shutterstock
وصلت تقنيات توصيل الطعام في المنطقة إلى مرحلة من النضج، انعكست في عدد من الاكتتابات العامة والاستحواذات الكبرى. فقد استحوذت Rocket Internet على Talabat، التي تأسست في الكويت عام 2004، في عام 2015، قبل أن تُدرج الشركة في البورصة عام 2024، لتسجل أحد أكبر الاكتتابات العامة لشركات التكنولوجيا عالميًا، وأكبر اكتتاب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال ذلك العام.i
وبالمثل، أصبحت Jahez السعودية، التي هيمنت على سوقها المحلي، أول شركة مدعومة برأس المال الجريء تُدرج في السوق المالية السعودية عام 2022.ii وتؤكد هذه المحطات انتقال قطاع تكنولوجيا الأغذية نحو مرحلة أكثر نضجًا واستقرارًا، مع تزايد ثقة المستثمرين وتطور السوق.
ومع وصول منصات توصيل الطعام إلى مرحلة النضج، أصبح النجاح يعتمد بشكل متزايد على اتخاذ القرارات المبنية على البيانات، وليس مجرد التواجد في السوق. وتساعد شركات مثل Growdash المطاعم من خلال تزويدها بتحليلات سوقية متقدمة، تمكّنها من تحسين استراتيجيات التسعير، والعروض الترويجية، واكتساب العملاء في سوق تتزايد فيه المنافسة.
كما تشهد مجالات ناشئة مثل «الغذاء كوسيلة للعلاج» والإنتاج المحلي فائق القرب نموًا متزايدًا. ويزداد اهتمام المستهلكين بالصحة، مما يعزز الطلب على الحلول التقنية التي تقدم تغذية مخصصة ومصادر غذائية مستدامة. وفي الوقت نفسه، تعالج منصات مثل Suplyd أوجه القصور في سلسلة الإمداد الغذائية بين الشركات، من خلال ربط المطاعم بالموردين، وهو قطاع ظل لفترة طويلة بعيدًا عن الابتكار التقني.
ولا يقتصر الابتكار على الخدمات اللوجستية والمشتريات، بل يمتد إلى إعادة تعريف تجربة المستهلك. فأطقم الوجبات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتسعير الديناميكي المرتبط بتاريخ صلاحية المنتجات، وخدمات التغذية المخصصة بدرجة عالية، كلها تضع معايير جديدة في القطاع. وتمثل Lola، التي توفر كعكات مخصصة حسب الطلب، وDesert Farms، الرائدة في منتجات حليب الإبل، أمثلة واضحة على كيفية توظيف التكنولوجيا لتقديم منتجات أكثر راحة وفائدة صحية.
ومن الاتجاهات الصاعدة أيضًا التكامل الرأسي، حيث تتحكم الشركات في سلسلة إنتاج الغذاء وتوزيعه بالكامل، من المزرعة إلى المائدة. ويتيح هذا النموذج تحسين مراقبة الجودة، وخفض التكاليف، وبناء سلسلة إمداد أكثر استدامة. ومع استمرار نضج قطاع تكنولوجيا الأغذية في المنطقة، ستكون الشركات التي تبتكر خارج النماذج التقليدية هي الأقدر على رسم ملامح المرحلة المقبلة من النمو.
الخاتمة
مع استمرار تطور قطاع تكنولوجيا الأغذية في الشرق الأوسط، سيحدد التوازن بين الابتكار وترسيخ مكانة الشركات الكبرى ملامح المرحلة القادمة من نمو الصناعة. ففي حين وصلت قطاعات ناضجة، مثل توصيل الطعام، إلى نقطة تحول مع الاكتتابات العامة والاستحواذات الكبرى، تواصل الشركات الناشئة إعادة تعريف مفهوم تكنولوجيا الأغذية.
إن الشركات التي تتبنى الابتكار الحقيقي، سواء من خلال الحد من هدر الغذاء، أو تطوير حلول مدعومة بالذكاء الاصطناعي، أو تقديم تجارب تتمحور حول احتياجات المستهلك، لن تسهم فقط في دفع القطاع إلى الأمام، بل ستحدث أثرًا ملموسًا أيضًا. وفي عام 2025 وما بعده، لم تعد تكنولوجيا الأغذية تعني الكفاءة فحسب، بل أصبحت تعني التحول الحقيقي.
المصادر
[1] لماذا يُعد سوق خدمات الأغذية في الشرق الأوسط فرصة استثمارية كبيرة. منصة إنفليفر إكسبو.
https://www.insights.inflavourexpo.com/why-the-middle-east-food-service-market-is-a-big-opportunity-2/.
[2] أنثون غارسيا (2024). الفرص المتاحة في سوق الأغذية والمشروبات بدول مجلس التعاون الخليجي. منصة اقتصاد الشرق الأوسط.
https://economymiddleeast.com/news/gcc-food-beverage-industry-opportunities/
[3] فريق Menabytes (2024). شركة طلبات تجمع أكثر من ملياري دولار وتصل قيمتها إلى 10.2 مليار دولار في أكبر اكتتاب عام تقني عالمي لهذا العام. منصة Menabytes.
https://www.menabytes.com/talabat-final-ipo-price/
[4] إريكا ويلش (2023). متابعة رحلة «جاهز» خلال خمس سنوات لتصبح شركة يونيكورن في سوق التقنية الاستهلاكية سريع النمو في المملكة العربية السعودية. مجلة Entrepreneur Middle East.
https://www.entrepreneur.com/en-ae/growth-strategies/tracking-jahezs-five-year-journey-to-become-a-unicorn-in/447936