غالبًا ما يُنظر إلى إجمالي السوق القابل للاستهداف (TAM) باعتباره المعيار الأهم عند الاستثمار في الشركات الناشئة في مراحلها المبكرة. وتمتلئ العروض التقديمية بأرقام ضخمة مثل: «سوق بقيمة 50 مليار دولار جاهز للتغيير»، وكأن هذا الرقم وحده كافٍ لتبرير الاستثمار. لكن بالنسبة للمستثمرين في مرحلة التمويل الأولي، فإن التركيز المفرط على حجم السوق ليس مجرد خطأ، بل هو مغالطة.
لماذا؟ لأن أفضل الشركات الناشئة لا تكتفي بالحصول على حصة من سوق قائم، بل تعيد تعريف السوق أو تخلق سوقًا جديدًا بالكامل. كما أن نماذج الأعمال في مرحلة التمويل الأولي لا تزال مرنة، وتتغير باستمرار وفقًا لملاحظات العملاء، وظروف السوق، وواقع التنفيذ. لذلك، فإن الاستثمار في شركة ناشئة لمجرد أنها تستهدف سوقًا كبيرًا اليوم يتجاهل حقيقة أساسية حول كيفية بناء الشركات العظيمة.
الشركات الناشئة تغيّر نماذج أعمالها… كثيرًا
الواقع أن معظم الشركات الناشئة في مراحلها الأولى تغيّر نموذج أعمالها أكثر من مرة قبل الوصول إلى توافق حقيقي بين المنتج والسوق. يبدأ المؤسسون بفرضية أولية، لكن مع تفاعلهم مع العملاء يعيدون تطوير نهجهم، وغالبًا ما يتوسعون إلى مجالات لم تكن متوقعة.
خذ Slack على سبيل المثال. فقد بدأ كأداة داخلية لشركة ألعاب، ثم تحول لاحقًا إلى منصة للتواصل المؤسسي. وكذلك Shopify، التي بدأت كمتجر إلكتروني لبيع معدات التزلج على الثلج، قبل أن تكتشف أن الفرصة الحقيقية تكمن في توفير منصة للتجارة الإلكترونية للآخرين. ولو قيّم المستثمرون هاتين الشركتين بناءً على حجم السوق المستهدف في بداياتهما فقط، لربما تجاهلوهما تمامًا، وهو ما فعله بالفعل بعض المستثمرين.
فالمؤسسون المتميزون لا ينشغلون كثيرًا بأرقام السوق، بل يركزون على بناء منتج استثنائي مهما كانت نقطة البداية.
أفضل الشركات الناشئة تصنع سوقها الخاص
لنأخذ Uber مثالًا آخر. ففي بداياتها، كان مفهوم خدمات طلب السيارات عبر التطبيقات محدودًا ويقتصر في الغالب على خدمات السيارات الفاخرة في المدن الكبرى. وربما رأى المستثمر التقليدي أن حجم هذا السوق صغير ولا يستحق الاستثمار. لكن أوبر لم تكتفِ بالحصول على جزء من سوق قائم، بل أنشأت سوقًا جديدًا بالكامل من خلال تمكين السائقين العاديين من تقديم الخدمة وإعادة تعريف مفهوم التنقل داخل المدن.
وبالمثل، لم تكن Airbnb تنافس الفنادق فقط، بل أوجدت مصدرًا جديدًا للإقامة لم يكن موجودًا سابقًا، مما وسّع حجم السوق إلى ما هو أبعد مما كان يمكن أن تتوقعه تحليلات حجم السوق التقليدية. ولو نظرت في عام 2008 إلى حجم سوق مشاركة الأرائك أو المنازل، لما تخيلت أبدًا أنها قد تصبح شركة بمليارات الدولارات، لكن هذا ما حدث بالفعل.
ما الذي ينبغي أن يركز عليه المستثمرون في مرحلة التمويل الأولي بدلًا من ذلك؟
إذا كان حجم السوق ليس مؤشرًا موثوقًا في هذه المرحلة، فما الذي يستحق الاهتمام؟ فيما يلي بعض المؤشرات الأكثر أهمية:
- رؤية المؤسسين: هل اكتشف الفريق مشكلة أغفلها الآخرون؟ وهل لديهم شغف حقيقي بحلها؟
- التفاعل الأولي وسلوك العملاء: حتى وإن بدا السوق صغيرًا في البداية، هل يتفاعل المستخدمون مع المنتج بشكل ملحوظ؟ وهل يعودون لاستخدامه باستمرار؟
- إمكانية توسع السوق: هل تستطيع الشركة تطوير منتجها بطريقة تعيد تعريف السوق؟ وهل توجد فرص للتوسع في أسواق أو قطاعات مجاورة؟
- القدرة على التنفيذ والتكيف: بما أن تغيير المسار أمر شبه حتمي، فهل يمتلك الفريق المرونة والقدرة على التكيف مع المتغيرات؟
أفضل الشركات الناشئة في مرحلة التمويل الأولي لا تنسجم عادةً مع نماذج تحليل السوق التقليدية. فهي تبدأ باستهداف شريحة صغيرة لكنها شديدة التفاعل، ثم تتوسع تدريجيًا إلى سوق أكبر بكثير مما كان يتوقعه أي شخص في البداية. وهذا بالتحديد ما يجعل الاستثمار في المراحل المبكرة مثيرًا وصعب التنبؤ في الوقت نفسه.
لا تجعل حجم السوق هو محور اهتمامك
الاعتماد على حجم السوق في مرحلة التمويل الأولي يشبه الحكم على كتاب من خلال مسودته الأولى غير المكتملة. فالمؤسسون المتميزون لا يكتفون بالعمل داخل الأسواق القائمة، بل يبتكرون أسواقًا جديدة بالكامل. لذلك، بدلًا من التركيز على حجم السوق الحالي، ينبغي للمستثمرين دعم الفرق التي تمتلك الرؤية، والمرونة، والقدرة على التنفيذ لخلق سوقها الخاص. ففي النهاية، السؤال الحقيقي ليس: «ما حجم السوق اليوم؟»، بل: «إلى أي حجم يمكن أن يصل هذا السوق إذا نجحت هذه الشركة الناشئة؟»