صغير = كبير

عند الحديث عن منظومة الشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تتركز معظم النقاشات حول الأسواق الكبرى مثل الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، ومصر. وقد استحقت هذه الدول مكانتها باعتبارها مراكز للابتكار، بفضل قدرتها على جذب الاستثمارات الكبيرة واحتضان الشركات الناشئة سريعة النمو. إلا أن التركيز على هذه الأسواق وحدها يعني تجاهل كنزٍ من الفرص غير المستغلة في الأسواق الأصغر والأقل تنافسية في المنطقة. ولهذا، نحرص بشكل خاص على البحث عن الشركات الناشئة في الأسواق الصغيرة التي غالبًا ما يتم تجاهلها.

أؤمن إيمانًا راسخًا بأن كل دولة تمتلك مؤسسين استثنائيين، وأن دورنا يتمثل في العثور على اثنين أو ثلاثة من هؤلاء المؤسسين المتميزين الذين يظهرون كل عام في الأسواق الصغيرة، والاستثمار فيهم. وقد أثبتت التجربة نجاح هذا النهج، إذ جاءت أفضل استثماراتي أداءً من البحرين (Calo) والكويت (Floward).

لماذا ينجح هذا النهج؟

يستطيع المؤسسون المتميزون في الأسواق الصغيرة إثبات قدرتهم على التنفيذ داخل تلك الأسواق أولًا. وبعد إثبات نجاحهم، وغالبًا خلال السنة الأولى، يصبح التوسع إلى الأسواق الأكبر أسهل بكثير. فالأسواق الصغيرة تُعد بيئة مثالية لاختبار الأفكار، والوصول إلى توافق المنتج مع السوق، وإجراء التجارب، ثم الاستفادة من هذه الخبرات للتوسع بسرعة وكفاءة في الأسواق الأكبر. فإذا تمكنت من اكتساب 10,000 مستخدم في سوق يبلغ عدد سكانه مليون نسمة، فإن الانتقال إلى سوق أكبر حجمه 30 أو حتى 100 ضعف يمنحك مساحة أوسع بكثير للنمو والتوسع.

بالنسبة للمستثمر، فإن اكتشاف هذه الفرص في وقت مبكر يعني الاستثمار عند تقييمات أقل، مع إمكانية تحقيق عوائد أكبر في المستقبل. ومن هذا المنطلق، يبدو الأمر منطقيًا للغاية.

كما يتمتع المؤسسون في هذه الأسواق بمزايا أخرى. فبسبب محدودية التمويل المتاح، يعتادون منذ البداية على العمل بكفاءة عالية في إدارة رأس المال وتحقيق الربحية. لقد تعلموا منذ الأيام الأولى كيف يمكنهم البقاء، والنمو، والازدهار رغم محدودية الموارد.

ومن المزايا الأخرى أيضًا أن تكلفة التوظيف في الأسواق الصغيرة تكون غالبًا أقل مقارنةً بالأسواق الكبيرة ذات المنافسة العالية، مع إمكانية الحصول على كفاءات بالمستوى نفسه.

لكن هناك أيضًا بعض التحديات.

في بعض الأحيان، يعلق المؤسسون داخل أسواقهم الصغيرة لفترة أطول مما ينبغي. وقد اضطررت إلى تشجيع الكثير منهم على مغادرة منطقة الراحة الخاصة بهم في وقت أبكر مما كانوا يخططون له. ففي الغالب، ينبغي أن يبدأوا التوسع إلى أسواق أخرى خلال السنة الأولى أو الثانية، وإلا فقد تبقى شركاتهم محدودة الحجم إلى الأبد.

أما التحدي الثاني، فهو أن بعض المؤسسين في هذه الأسواق يحاولون تقليد شركات ناشئة حققت نجاحًا كبيرًا في الأسواق الرئيسية، رغم أن تلك الشركات تمتلك سجلًا طويلًا وتمويلًا يفوق بكثير ما لديهم، بينما يقتصر هدفهم على خدمة سوق صغيرة فقط. هذا النهج لا ينجح عادةً. وغالبًا ما تكون مثل هذه الفرص غير مناسبة للاستثمار، لأنها تعكس ضعفًا في فهم السوق الإقليمي والمشهد التنافسي.

هل ينجح هذا النهج عند التوسع؟

الإجابة نعم. فقد شاهدت العديد من الشركات الناشئة تحقق نموًا ناجحًا من خلال استهداف الأسواق الصغيرة أولًا، وترسيخ مكانتها فيها، ثم الانتقال إلى الأسواق الأكبر. وقد رأيت ذلك مع Eyewa، التي بدأت توسعها في المملكة العربية السعودية بالمدن الأصغر قبل دخول الرياض. ففي هذه الأسواق الصغيرة، يكون الطلب مرتفعًا عادةً لأن الشركات الكبرى لا تخدمها بالشكل الكافي. كما أن تكلفة اكتساب العملاء تكون أقل مقارنةً بالأسواق الكبرى، بينما يكون حجم الطلب أعلى.

وسلكت Justlife مسارًا مشابهًا، حيث توسعت من الإمارات إلى البحرين وقطر أولًا. وقد أثبت هذا النهج نجاحه بالفعل. وحتى في الأسواق الكبيرة مثل مصر، قد يكون التركيز على العملاء خارج القاهرة أكثر جدوى من دخول سوق مزدحم بالمنافسين.

فالأسواق الصغيرة تمتلك قيمة حقيقية، وتتمتع بطلب فعلي، وتمثل فرصًا تستحق الاهتمام.

ومن المزايا الأخرى التي توفرها بعض الأسواق الصغيرة مستوى الدعم الذي يمكن أن تقدمه الحكومات للشركات الناشئة. ويُعد ما حققته أبوظبي من خلال Hub71 أحد أبرز الأمثلة على ذلك. وفي قطر، هناك توجه قوي نحو استقطاب الشركات الناشئة والاستثمار فيها. كما نرى مستوى مماثلًا من الدعم والطلب في المنظومة الناشئة المتنامية في سلطنة عُمان. أما أسواق مثل البحرين، فتقدم حوافز كبيرة للشركات الراغبة في تأسيس أعمالها وتوظيف الكفاءات المحلية.

يشهد قطاع الشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تطورًا متسارعًا، وغالبًا ما تكمن أفضل الفرص في الأسواق التي لا تحظى بالاهتمام الكافي. ومن خلال توسيع نطاق التركيز ليشمل الأسواق الصغيرة ذات الإمكانات العالية، بدلًا من الاقتصار على المراكز الرئيسية، يمكن لكل من المؤسسين والمستثمرين اكتشاف فرص جديدة للنمو والنجاح. ففي منطقة تزداد ترابطًا يومًا بعد يوم، قد يصبح السوق الذي يبدو اليوم محدودًا أو غير ملفت، قصة النجاح الأبرز في المستقبل.

لقد حان الوقت للنظر إلى ما هو أبعد من الخيارات التقليدية، والاستفادة من مستقبل نمو الشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، سوقًا صغيرًا بعد آخر.